حصريا..على موقع: بلا حدود الأدبي (المنصات المتخصصة).. الباحثة/ ملكة محمد أكجيل؛ تفتش عن: الأدب المغاربي الناطق باللغة الفرنسية.. أفكر عربيا وقلمي ينطق فرنسيا
الأدب المغاربي الناطق باللغة الفرنسية..
أفكر عربيا وقلمي ينطق فرنسيا
كتب الباحثة/ ملكة محمد أكجيل
ولد الأدب المغاربي الناطق باللغة الفرنسية نتيجة التوترات الإجتماعية والسياسية التي مرت بها بلدان شمال إفريقيا الثلاث: المغرب والجزائر وتونس، فجر القرن العشرين .
في
الأساس نتساءل عن سبب هذا التغريب اللغوي في المجال الإبداعي؛ خصوصا و أن
المضمون يحتج ضد السلطة الاستبدادية، والهوية الممزقة، والهجرة، وثقليل
الدين والصراع بين الحداثة والتقاليد أثيرت عدة تساؤلات حول هذا الاختيار
اللغوي وخاصة أنها لغة المستعمر.
ومن بين الكتاب الرواد، الذين
كرّسهم النقاد والقراء على حد السواء ، نذكر على وجه الخصوص كاتب ياسين،
ومولود معمري، ومولود فرعون، وألبير كامو، وألبير ميمي، وعبد اللطيف لعبي،
وتاوس عمروش، وآسيا جبار، أحمد الصفريوي، محمد الديب و القائمة طويلة،
وتوالت أجيال من مبدعي هذا التيار الأدبي الذي يراه الناقد العربي عصيانا
للغة العربية و إستعمارا ثقافيا لم يستطع المفكر المغاربي أن يتحرر منه .
من
الإنصاف أن نوضح أن ظهور هذا الأدب في إفريقيا المستعمرة من فرنسا هو جزء
من سياق السياسات اللغوية للسلطة الاستعمارية؛ فاللغة العربية ، التي تم
تهميشها بالفعل في ظل الهيمنة العثمانية في الجزائر وتونس ، كانت محظورة في
الإدارات والتعليم وكل ما يتعلق بالحياة العامة في المغرب العربي .
فتعليم
السكان يقتصر على الزوايا والمدارس القرآنية؛ دون وسائل كبيرة لغرض وحيد
(مسموح به) هو تعلم القرآن وبالتالي بعض أساسيات الكتابة والقراءة، في
بلدان حُكم على الغالبية العظمى من السكان فيها بالأمية أو شبه الأمية.
وقد
ظلت هذه العلاقة مع اللغة الفرنسية واختيار استخدامها من منظور أدبي مصدر
نقاش مرير للكتاب، مثل كاتب ياسين الذي اعتبرها "غنائم حرب" أو رشيد بوجدرة
الذي انتهى بكتابة أعماله باللغة العربية بعدها بدأ مسيرته في لغة موليير
و
أحمد الصفريوي التي صنفت كتاباته في خانة الفلكلور الشعبي المغربي، وأنها
موجهة القارىء الغربي كوجبة دسمة تغري غرور الفرجة على أزقة فاس القديمة و
تقاليد الأسرة المغربية .
تميز الأدب الخيالي في أوائل القرن العشرين
بميل نحو العرض الغريب والرائع والجميل إلى حد ما للاستيعاب الثقافي. هذه
الأدبيات التي وُلدت بالأحرى فولكلورية وإثنوغرافية ، لم تهاجم بشكل صريح
السرد الإستعماري أو تبنت أطروحة ااإستقلال كما يبرر البعض تبني اللغة
الفرنسية في كتاباتهم ، لكنها أظهرت أحيانًا تمزيقًا معينًا للهوية يصل إلى
التغريب في بعضها . قد تصاحب الحركات القومية تحديات جزئية أو كاملة
للإستعمار؛ لكن لم يثبت السياق المناهض للاستعمار في الروايات نفسه حتى
نهاية الحرب العالمية الثانية في الخمسينيات من القرن الماضي ، وفي المغرب
العربي كما في بقية إفريقيا جنوب الصحراء.
الحرب الجزائرية
شجعت
الحرب الجزائرية الكتّاب بشكل خاص على الانخراط في المقاومة، وهكذا فإن
"جمال عمراني" يشهد على التعذيب في عام 1960 في سيرة ذاتية ، ثم يدور
الصراع بعد ذلك من خلال إبداعه الشعري. كما استخدم هنري كريا شخصية
"يوغورتا" لتصوير شخصية المقاوم في مسرحيته "الزلزال". كما يعد إصدار نجمة
عام 1956 للروائي الجزائري كاتب ياسين إحدى الروايات الأساسية في تلك
الفترة ، من حيث خصائصها الأسلوبية وأهميتها التاريخية. "الطرد أمي" لرشيد
بوجدرة يعري حقيقة المرأة في شمال إفريقيا في ظل النظام الإستعماري الذي
يتباهى بمبادئه الأساسية الثلاثة الحرية ؛ المساواة و الأخوة لكن في
مستعمراته الفقر وعدم المساواة والأمية هو المشهد الحقيقي مجتمع في بلدانهم
مجرد بقرة حلوب ومخزن سليمان لمستعمر يواصل بكل قوته إجتثات هويته
الثقافية و اللغوية .
ظهرت
أول كتابات الأدب المغاربي الناطق باللغة الفرنسية في الجزائر أولاً -
حوالي عام 1930 ، عام الاحتفال بالذكرى المئوية للاستعمار الفرنسي، ثم امتد
إلى البلدين المجاورين المغرب و تونس .
إن
أبرز الظروف التي جعلت من الممكن ، بل حتى من الضروري ، للجزائريين التحدث
باللغة الفرنسية تنبع من استكمال مشروع الاحتلال ، الذي ترسخ من خلال
إنشاء المحميات الفرنسية ، أولاً في تونس (1881) ، ثم في المغرب (1912)
لإفشال عمليات الكفاح ضد الاستعمار التي كانت تنطلق منهما، و بعد سحق آخر
ثورة مسلحة كبيرة، ستنتقل المقاومة بعد ذلك من المجال العسكري إلى المجال
السياسي بتنويع الوسائل، أحدها الذي تبنته شريحة كاملة من المثقفين ، كان
يتمثل في قبول تحدي الاستيعاب.
بعد
تفكيك المؤسسات المحلية ، ظهرت النتائج الأولى لهيكل جديد في ثمانينيات
القرن التاسع عشر ، حيث أدى فرض اللغة الفرنسية كلغة الإدارة والعدالة
والتعليم إلى تحديد مكانة جديدة للأدب داخل التسلسل الهرمي اللغوي الجديد.
في الواقع ، إذا تم الحفاظ على تعليم اللغة العربية ، فإنه يكون بطريقة
بدائية. إنه مقصور إلى حد ما على الطقوس الدينية. وإذا استمر الإنتاج
الأدبي باللهجات الشعبية (العربية والأمازيغية) و اللغة العربية الفصحى ،
فإنه يقع تحت علامة مقاومة الانقسام الثقافي و الفرانكوفونية ؛ كما أن عدم
تجديد الموضوعات، والأشكال كان سمة من سمات هذا الإنتاج المحلي المرتبط
بشكل كبير بالمجال الديني و الأعراف كما أنه مقنن بقواعد لغوية كلاسيكية
ترفض أي تحرير لغوي قد يخدش التقاليد الموروثة من السلف؛ حتى كاتب ياسين
عندما سُئل لماذا تكتب باللغة الفرنسية وكان رده : لأنها تعطيني حرية أكثر
للتعبير .
في
الوقت نفسه ، يروج النظام المدرسي الفرنسي ( من منظومة البعثات التبشيرية
التي كانت تشتغل على الغزو الثقافي والديني)، مع تدفقه الضئيل للسكان
الأصليين وعدد قليل من المدارس الثانوية ثنائية اللغة ، لنموذج جديد
للعلماء الجزائريين. كان المثقفون في ذلك الوقت ثنائيو اللغة بشكل ساحق.
حتى أولئك الذين تدربوا في الجامعات العربية في فاس أو تونس أو القاهرة
ليسوا جاهلين تمامًا بالفرنسية.. من ناحية أخرى فإن اندماج العديد من
الجزائريين في الجيش الفرنسي، خلال الحرب العالمية الأولى، سيؤدي بطريقة ما
إلى "دمقرطة" عملية الاستيعاب التي برمجتها منظومة التعليم الاستعماري،
وبالتالي فهي محفوظة أساسًا حتى الآن لأطفال الوجهاء حيث لازالت المؤسسات
التعليمية الفرنسية تؤدي وظيفتها .
في
المجال الثقافي ، إذا كان النموذج الأوروبي هو الوحيد تقريبًا الذي حصل
على براءة الاختراع ، فإن الثقافة العربية العلمية تسعى جاهدة للحفاظ على
نفسها في جزر جغرافية واجتماعية معينة على حساب بعض الجمود الثقافة الشعبية
، من جانبها أكثر تخريبية لم ترق إلى تطلعات الفئات الهشة إجتماعية، وإن
كانت تضم موضوعات جديدة مرتبطة بالوضع التاريخي وتعيد تنشيط أشكال التعبير
التقليدية متعثرة ، وليس بدون صعوبات هائلة ، بينما يقع البعض الآخر في
الإهمال بشكل لا يمكن إصلاحه ، الزجل ارتبط بالبوهيمية، الأغاني وإن كانت
تحمل فكر المقاومة ضلت حبيسة الشيخة و العيطة وهي مشهد شاذ في المجتمع ،
المسرح فرجة لرواد السوق أو الساحات الشعبية ...
في
هذه الفترة التي تتوافق مع ازدهار الرواية الإستعمارية بجميع أشكالها،
ظهرت النواة الصغيرة للكتاب الجزائريين الذين وصلوا إلى المشهد الأدبي في
شكل روائي يكاد يكون كنوع فرعي من خلال علاقتها بالجنس المهيمن الرواية
الواقعية في الواقع، مثل الرواية الاستعمارية في ذلك الوقت ، تلتزم
الرواية الجزائرية بالأعراف الواقعية وتستغلها لتكشف بطريقة تعليمية أطروحة
ذات طبيعة اجتماعية. ومن هنا تأتي السمات الشكلية مثل ضعف الحبكة ،
والشخصيات والنموذجية والرمزية التي تم إنشاؤها من علم النفس التلخيصي،
وغياب قصة الحب أو تهميشها، وبشكل عام المرأة
ما
يميزها عن نموذجها الأوروبي هو خطاب إيديولوجي مستتير، بينما يجدد
الازدواجية الأخلاقية والاجتماعية للخطاب الاستعماري السائد ، يشير إلى أن
الخير والشر ، والمتحضر والبرابرة لا يتصادمون بشكل لا يمكن إصلاحه في هذا
الجانب أو ذاك من الشريط. . كما يشير، كما في تحذير متحفظ أو خيال غامض
للإنتقام، إلا أن القوة السياسية والعسكرية قد غيرت جوانبها عدة مرات عبر
تاريخ الحضارات .
اليوم
، على الرغم من السياق اللغوي الذي اتسم بانحدار اللغة الفرنسية لأسباب
تاريخية والسعر الباهظ للكتب المستوردة، فإن الرغبة في الكتابة بهذه اللغة
التي تمكنت من شق طريقها كحلقة وصل بين الحضارات المختلفة والمتنافسة
تاريخيًا وحتى العدائية لا تزال قائمة. لطالما سار طفل رهيب و حافي القدمين
للإقتحام والانتهاك والتحرر، كان الأدب المغاربي باللغة الفرنسية قادرًا
على التأكيد - بخلاف التصميم اللغوي الذي هدد بحصره في شخصية غريبة - على
وجوده غير القابل للإختزال. لقد أثبتت الآن أنه استوعبت وتغلبت على تراثها
المزدوج ، وأنه إذا كانت قد أشادت به ، فربما يكون من الأفضل لها فقط أن
تأخذ إجازتها منه.
في
الجزء الثاني من هذه القراءة للأدب المغاربي الناطق باللغة الفرنسية
سنلتقي بالكاتب الجزائري ملود فرعون من خلال مؤلفه "ابن الفقير "

تعليقات
إرسال تعليق